ا لــفــنـــــــو ن ا لـمــــــــــر ئــيـــــــــــــــــــــــة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
يشرفنا تسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

ا لــفــنـــــــو ن ا لـمــــــــــر ئــيـــــــــــــــــــــــة

منتدى الفنون السمعية البصرية أدبي فني إبداعي لثقافة الأسرة المميزة
 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» كيفك كيف حالك .
السبت 24 أغسطس 2013, 2:25 am من طرف ثلج الجبل

» يالحايسه بيش نلهيك
الخميس 22 أغسطس 2013, 4:19 pm من طرف ثلج الجبل

» كتب تعليمية:: اساسيات التصوير التلفزيوني+المونتاج التلفزيوني+مبادئ هندسة الصوت
الجمعة 25 يناير 2013, 1:21 am من طرف فيروز عون

» الكتاب المسموع
الخميس 17 مايو 2012, 12:11 pm من طرف فيروز عون

» كيف اخفف من الاصوات غير المرغوبة
السبت 31 مارس 2012, 12:36 am من طرف alaws

» أسرار صناعة الفيلم الوثائقي في ندوة
الأربعاء 19 أكتوبر 2011, 1:34 am من طرف kareem

» سيناريو المواطن كين
الأحد 18 سبتمبر 2011, 11:48 pm من طرف فيروز عون

» كتاب مصور للطفل ( في العبادات)
السبت 05 فبراير 2011, 9:34 pm من طرف عابر سبيل

» تصفح اروع الكتب الروسية المترجمة بالعربي
الجمعة 04 فبراير 2011, 7:58 pm من طرف فيروز عون

» عاجل جدااااا :ـ المنتدى اصبح مهجوراااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
الجمعة 28 يناير 2011, 12:47 am من طرف عابر سبيل

المواضيع الأكثر شعبية
كتب تعليمية:: اساسيات التصوير التلفزيوني+المونتاج التلفزيوني+مبادئ هندسة الصوت
شعر ليبى صقع جدا
القصائد المغناة
وصفات للذكاء
مناهج طرق البحث
مقاطع مونتاج
مصطلحات في السرد
الــبــنــــــــــاء الـــــــــدرامي
الصاحب الخائن ...
فن التصوير الفوتوغرافى الرقمى
ديسمبر 2016
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
اليوميةاليومية

شاطر | 
 

 قصص لعزيز نسين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: قصص لعزيز نسين   الخميس 19 فبراير 2009, 11:00 pm

الناس يستيقظون!...

عزيز نسين

ترجمة: عادل العامل

كانت مدة سجنه الأخيرة قاسيةً عليه جداً، وكان النفي إلى منطقة ريفية صعباً بشكل خاص، بعد إطلاق سراحه، وحين أكمل فترة نفيه، عاد إلى المدينة ليجد نفسه وحيداً تماماً وسط حشود الناس، فقد طلقته زوجته حين كان في السجن.‏ في موقفٍ كهذا يستسلم المرء لليأس برغبةٍ منه أو من دونها، خاصةً إذا كان أيضاً لا يملك نقوداً يعيش منها... فهل سيضطر للانسحاب من السياسة تماماً ويبحث عن عمل وبذلك يتجنب وقوع كارثة؟...‏

كان عليه، قبل أي شيء، أن يجد له مكاناً يركن رأسه إليه. وكان الإيجار مرتفعاً جداً، لا في مركز المدينة فقط، بل وفي الضواحي. لكنه كان مريضاً ومرهقاً من مجيء مأمور المحكمة إلى بيته عندما يعجز عن دفع إيجاره، ومن النوبات المرضية لآلته الكاتبة المتهدمة، ومن قطع أثاثه المتهرئ العتيق التي تثير الرثاء، وكان متعباً من كونه موضوع قيل وقال جيرانه، ومن اللمحات العدائية في العيون الفضولية المخيفة، ومن النظرات التي تتفحصه كما تفعل الماشية وهي ترى إلى ثورٍ غريبٍ لدى المرة الأولى.‏

كان هذا هو السبب في بحثه الآن عن بيتٍ حقيرٍ رخيصٍ يستأجره بعيداً في مكانٍ لا يجتذب أحداً عند أقصى جانبٍ من المناطق الخارجية.‏

بعد بحثٍ منهكٍ وجد مكاناً كهذا بالضبط. "جيسيكوندو" حقير بغرفةٍ ونصف على بعد ساعتين من المشي تقريباً من المدينة، وكان واحداً من خمس عشرة جاثمةً على تل في منطقة صغيرة جداً، ومتباعدة بعضها عن بعض، الأمر الذي أشعره بالرضا تماماً.‏

كانت الحقيبتان العتيقتان المليئتان بالكتب، وشيءٌ أو شيئان عتيقان آخران، هي كل ما يملك، وقد غطى النوافذ بورق الجرائد التي صنع منها ستائر أيضاً، فياله من حظ طيب! عندئذٍ لم يعد هناك ما ينبغي أن يفعله إلا البحث عن عملٍ عَرَضِي يساعده على تدبير الرزق.‏

كان هناك على مسافة قصيرة من بيته، لكن على الجهة المقابلة تماماً، دكان بقَّال داخل كوخ. وعلى اليسار من دكان البقال تماماً، كان هناك أيضاً دكان فاكهاني في كوخ منحدر السطح أقيم بشكل مستعجل، فراح يحصل على مشترياته من هذين الدكانين. وعقد بذلك تدريجياً صداقةً مع البقال والفاكهاني اللذين كانا متقاربين جداً في حالتهما وكسبهما القليل. فقد كانت تجارتهما ضئيلة للغاية، حيث لم يكن هناك سوى خمسة أو ستة زبونات من النوع الذي لا ينفق إلا القليل، يجيئون إلى دكانيهما في اليوم. لكن لافتقارهما إلى رأسمال لم يكن باستطاعتهما الانتقال إلى موقع أكثر إرضاءً.‏

بعد أيامٍ قليلة من حلوله في "الجيسيكوندو" بدأ بائعٌ يبيع أرغفة الخبز الساخنة أمام دكان البقَّال. وراح منذ ذلك الحين يجيء مساء كل يوم ليبقى هناك إلى أن تهبط الظلمة. وبعد فترة بدأ بائع ثانٍ يبيع خبز الذرة مقيماً إلى جانبه.‏

وعند دكان الفاكهاني، أخذ رجلٌ آخر يبيع الكعك الحلو داخل صندوق مزجَّج، وبمرور الأيام كان هناك صبَّاغ أحذية، وبائع شراب فاكهة متجول، وبعدئذٍ، بائع مربَّى، اتخذوا أيضاً أماكنهم هناك.‏

وفي فترة قصيرة، أصبح هناك سوق مقابل "الجيسيكوندو" الذي ينزل فيه. وراح كناس يكنس بنشاطٍ من الصباح إلى المساء تلك المنطقة، التي امتلأت بكل أنواع الباعة والحرفيين، بل وفتحت مقهى كالحة حقيرة ما بين دكاني البقال و الفاكهاني، وازداد الرواج والمجيء والمرور.‏

وقد استؤجرت كل الغرف الفارغة و"الجيسيكوندوات"ففكر بالحظ الطيب المفاجئ لهذا الجو السعيد الباعث على الانشراح، لكن الأمر لم يكن يعنيه، مادام هو لا يزال عاطلاً عن العمل. كما أنه لم يكن قادراً على البحث عن عمل. هذا إذا تجاوزنا إمكانية العثور عليه، فهم قد يعطونه عملاً، لكن حالما سيعلمون بمتابعة الشرطة له، سيسترجعونه منه.‏

ولم يكن بإمكانه أيضاً أن يستدين من أصدقائه، الذين كانوا مثله مفلسين وعاطلين، ولو كان بإمكانه أن يفعل ذلك، لكان اشترك مع صديقٍ له بغرفة واحدة في شقة بالمدينة، ليتهرب من دفع إيجار "الجيسيكوندو" حيث يعيش الآن.‏

وقد تقبل في الحقيقة اقتراح صديقه هذا، لكن لم يكن من السهل عليه التملص من هنا. فهو مَدين للبقال، وللفاكهاني، ولصاحب حرفة آخر، وعليه أن يرد تلك الديون.‏

وذات مساء، كان جالساً في البيت يفكر بكيفية رد الديون والانتقال، وإذا بشخصٍ ما يدق الباب. كان هناك ثلاثة أشخاص في الخارج: البقَّال، والفاكهاني، وصاحب المقهى. فدعا الزوار الثلاثة للدخول، وهو خجل من فقر غرفته، قائلاً:‏

ـ "أرجو المعذرة، فليس لدي قهوة أو أي شيء آخر أقدمه لكم.".‏

فقال البقال مبتسماً وهو يضع الكيس الورقي الذي بيده على المنضدة:‏

ـ "لا تهتم لذلك، فقد جئنا لأمرٍ آخر، وهذه قهوة وسكر....".‏

أصابه ذلك بالذهول، لماذا أحضروا له هذه الأشياء؟... لقد ظن أنهم جاؤوا لأنهم يريدون نقودهم، ولكن لماذا يأتون بهذه الهدايا؟ قال البقال متسائلاً:‏

ـ "هل صحيح ما سمعناه عن تفكيرك بالانتقال من هنا؟"...‏

ـ "نعم، إنني أعتزم الانتقال....".‏

فهم الآن لماذا أتوا، فلابد أنهم اعتقدوا بأنه سينتقل من دون أن يدفع ما عليه من ديون لهم، فأقلقهم ذلك!...‏

ـ "نعم، لكن أين سمعتم أني سأنتقل؟"...‏

فأجاب صاحب المقهى بهيئة من يدرك الأمر تماماً:‏

ـ "إننا نسمع من أماكن، إننا نسمع....".‏

ـ "لا تقلقوا، فلن أغادر من دون أن أدفع الديون التي لكم علي..".‏

ـ "أخجلتنا أيها الأخ، مَنْ يريد أن يأخذ منك شيئاً؟!"...‏

وأضاف الفاكهاني:‏

ـ "أنا من جانبي لا أطالبك بشيء، لا أريد، ولن آخذ شيئاً على الإطلاق، مهما قدمت....".‏

ـ "لكن لماذا لا تأخذ؟".‏

ـ "لقد جئنا أيها الأخ لنوفيك حق قدرك، فأنت جلبت علينا خيراً كثيراً".‏

وهنا جلس وفي حنجرته عقدة، قائلاً بصعوبة:‏

ـ "لم أفعل ما يستحق الذكر.".‏

كان ذلك يعني أنهم عرفوه، عرفوا شيئاً عن نضاله من أجل الناس، فلماذا أصابه اليأس، لماذا غلب عليه التشاؤم وانسحب من السياسة؟... هل تخلى هؤلاء الناس عنه حقاً؟!...‏

قال صاحب المقهى:‏

ـ "نرجوك أن تتخلى عن فكرة الانتقال من هنا.".‏

وأضاف الفاكهاني:‏

ـ "نعم، هذا ما جئنا نطلبه.".‏

ـ "إنني مضطر للرحيل لأنني لا أستطيع دفع الإيجار.".‏

قال الفاكهاني:‏

ـ "نعرف، إننا نعرف كل شيء، أخذنا في اعتبارنا أصحاب الحِرَف الذين انتقلوا إلى هنا وقررنا أخيراً أن ندبر إيجارك قسمةً بيننا وندفعه كل شهر، وكل ما نطلبه أن لا تغادرنا".‏

وأضاف البقَّال:‏

ـ "لا تقلق بشأن الإيجار. فقط لا تغادرنا".‏

غشيت البهجة عينيه تماماً، وكان من الممكن أن يبكي في أية لحظة. فها هو بعد كل تلك السنوات من النضال ينال حق قدره.‏

يتبـــــــــــــــــــــع ...


عدل سابقا من قبل فيروز عون في الجمعة 20 فبراير 2009, 1:09 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: البااااااااااااقي   الخميس 19 فبراير 2009, 11:44 pm

قال:‏

ـ "مستحيل، لا يمكن أن أقبله، وعلى كل حالٍ، فليس هناك الإيجار فقط، فأنا عاطل عن العمل، ومن الصعب علي الاستمرار هنا، يمكنني أن أجد سكناً مع أحد أصدقائي".‏

قال صاحب المقهى:‏

ـ "إننا نتحدث عن العمل كله وأصحاب الحرف جميعاً هنا هذه الأيام، وقد فكرنا بكل شيء، حتى موضوع رزقك، ومهما كانت احتياجاتك الشهرية، فنحن سندبر النقود فيما بيننا ونقدمها لك، لكن لا تبتعد عن هنا... لا تتركنا.".‏

كان الثلاثة يتوسلون كشخصٍ واحد، ولو لم يكن قد سيطر على نفسه، لكان قد بكى بالتأكيد. فبصرف النظر عما كان يقوله الناس، فإن هناك تقدماً كبيراً في البلاد، يقظة كبيرة بين الناس، وهذا يعني أنهم لم يناضلوا عبثاً طوال سنوات مديدة، وماكان هؤلاء الرجال، في الأيام الخوالي، ليكرموه كثيراً على هذا النحو.‏

قال:‏

ـ "أشكركم كثيراً جداً. أشكركم. لقد أثرتم مشاعري. لكنني لا أستطيع أن أقبل مساعدتكم.".‏

ومرةً أخرى راحوا يتضرعون إليه. قال البقَّال:‏

ـ "انظر. إنك في غنىً عن هذا المكان، فهو لا يصلح لأن تعيش فيه. فإذا كنت لا تحب هذا البيت، فإن هناك بيتاً بثلاثة طوابق قريباً جداً من هنا، والطابق الأعلى منه للإيجار. ويوجد فيه حمَّام وأشياء أخرى. سنسكنك هناك".‏

وقال صاحب المقهى:‏

ـ "ما نريده هو ألا تكون بعيداً عن هنا، عنَّا.".‏

بدأ يتملكه الفضول:‏

ـ "حسن جداً، لكن لماذا تريدون مني أن أبقى؟".‏

ـ "الأمر واضح جداً، يا صديقي ـ هناك شغل كثير جداً. إننا نتقدم. ولك جزيل الشكر.".‏

ـ "عفواً، لكنني لم أقم بشغلٍ كثير لكم إلى الحد الذي...".‏

ـ "شغلك ليس بشيء... الشغل الحقيقي هو مع الآخرين، لقد جلبت علينا حظاً طيباً. لم يكن هناك قبل أن تأتي سوى ثلاثة أو أربعة زُبُن يأتون إلى دكاني، فأحييتَ أنت المكان مرة أخرى، نوَّرته تماماً. عجباً‍ ما عليك إلا أن تنظر إلى الدكاكين الجديدة التي فتحت!"...‏

قال البقال:‏

ـ "وكل هذا من خيرك.".‏

ـ فأشفق علينا. إذا انتقلت سيحل بنا الخراب، لا محالة، وسيكون عليَّ أن أغلق المقهى.".‏ "

وهكذا استمروا يتضرعون. إن لديهم زوجات وأطفال. وإن عليه أن يشفق عليهم. هاهم هنا جميعاً متكلون عليه في رزقهم. وإذا اقتضى الأمر، فإنهم سيمنحنونه إعالةً أكثر شهرياً، حتى..".‏ "

قال:‏

ـ "شكراً لكم. لكن خدماتي ليست كبيرة إلى هذا الحد. يجب أن أشتغل ما دمت بصحة جيدة. ماذا فعلت لكم كي لا تريدون مني أن أرحل من هنا؟".‏

قال البقال:‏

ـ "المسألة هي ما سوف تفعله، فنحن لن ننسى خيرك. فحالما انتقلت إلى هنا، ملأت الشرطة المكان، متنكرين بزي كناس وصباغ أحذية... لإبقائك تحت المراقبة. وبمرور الأيام جاء شرطة آخرون متنكرين بزي أصحاب حرف أخرى. ثم لا يزال هناك شرطة آخرون لمراقبة هؤلاء الشرطة. أصبحت لدينة جلبة هنا".‏

قال البقال:‏

ـ "وقد سألونا أولاً عما تفعله.".‏

وأضاف الفاكهاني:‏

ـ "ثم بدؤوا جميعاً يشترون منا. بعدئذٍ جاء بائع الملابس البالية، ومصلح الأحذية، وبائع الأرغفة الحارة".‏

قال صاحب المقهى:‏

ـ "وفتحت أنا مقهى وبدأت أكسب رزقي، بفضلك أنت يا صديقي... وهم يجلسون هناك حتى المساء يشربون القهوة ثلاثاً وأربعاً، في الأقل".‏

نظر إليهم وهو مستاء جداً:‏

ـ "هل كلهم شرطة؟"...‏

ـ "بعضهم شرطة، وبعضهم الآخر ليس كذلك، فعندما يجيء عشرة أشخاص معاً إلى مكانٍ ما، فإن خمسين شخصاً سوف يتجمعون حولهم، والآن، إذا ما انتقلت من هنا، سيعود هذا المكان إلى حالته القديمة مرة أخرى... سيتبعك جميع الشرطة أينما ذهبت..".‏

قال البقال:‏

ـ "وعندئذٍ يقضى علينا.".‏

وقال الفاكهاني:‏

ـ "أشفق على فقراء معدمين!".‏

وقال صاحب المقهى:‏

ـ "إذا كان لابد من انتقالك، فابق، على الأقل، حتى يكون لدينا رأسمال صغير!".‏

فراح يفكر، سيكون الوضع نفسه في أي مكانٍ آخر. قال:‏

ـ "حسن جداً، لن أنتقل. لكن خذوا هذا الذي جئتم به....".‏

وسلَّم البقال الأكياس الورقية الأربعة التي على المنضدة.‏

قال الفاكهاني، وهو يخرج، متسائلاً:‏

ـ "أيمكنني إيصال هذه الأنباء الطيبة إلى أصدقائنا الآخرين؟".‏

ـ "نعم، لن أنتقل... لكني لا أريد أي شيء منكم.".‏

قال صاحب المقهى:‏

ـ ليباركك الله!".‏ "
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: رسائل لنسين   الخميس 19 فبراير 2009, 11:48 pm

الرسائل التي كتبها (الحمار الميت) الذي لا
يخاف الذئب، من الدار الآخرة إلى صديقته
ذبابةالحمار في الحياة.

الرسالة الأولى


الحمار الميت يحكي كيف مات



ذبابة الحمار الحبيبة

ستدهشين حتماً عندما ستستلمين هذه الرسالة. ستهلوسين قائلة: "علمنا أنه شبع موتاً منذ زمن، فمن أي اسطبل خرج لنا مجدداً" . لا تنفعلي. أنا أكتب لك من المقبرة. هنا ، كل الذين كانوا أحياءً في يوم ما من كبار ومشهورين وأعيان. إنه الوقت المناسب لكي تلطمي وتصرخي "آه لم نعرف قيمته في حياته. الآن فقط فهمت معنى المثل القائل "أعمى وعيونه لوزية" من خلال معرفتي بالذين لم نفهمهم في دنيانا الكذابة قبل أن يأتوا إلى مثواهم الأخير. بينما كنت أعمى عما هو أمام عيني سمعت عبارات المديح بعد موتي "عيون كحيلة". "نظرته مؤثره".

لا تحزني مطلقاً مما تعانيه من ضائقة في الحياة. عندما ستموتين ستكتب الجرائد "فقيدة كبيرة لا يُملأ مكانها". الأنانيون يملؤون أمكنة المحرومين والفقراء الأحياء ولا يتركون لنا حتى مكاننا في الحياة. ولا أدري كيف لا يستطيعون – ولا بأية وسيلة – تعبئة مكاننا بعد موتنا فيتركونه فارغاً!!

ستعيشين في قلوب الأحياء بعد موتك، ولكن عندها سيكون مكانك جهنم أيضاً. لقد حكى لي أحد الأخوة الحمير ممن لا مكان لهم في الحياة ولم يستطع أحد ملء الفراغ مكانهم بعد موتهم، هذه الحادثة التي وقعت له: "يوم شمسه حارةً جداً حزموا ظهره بحمل ثقيل، صادف الحمار الماشي (طحاً و نحاً) تحت وطأة حمله الثقيل طريقاً ساحلياً، وبينما كان يمر أمام (شاليه) وفي يده كأس مشروب من ذاك المتعرق خارجه لكثرة الثلج داخله.. يرتشف مشروبه وينفث دخان سيجارته. نظر الحمار من تحت الحمل وهو يكاد يغمى عليه لشدة الحر إلى الحمال الذي كان يتناول شرابه أمام الريح وقال:

- لِمَ نفختك هذه. كل ما هنالك أنك تعيش وأنا أيضاً أعيش.
قال حمار الشرفة للحمار الذي يطح وينح تحت وطأة حمله:
- نعم أنت تعيش وأنا أعيش ولكن أنت هكذا.. وأنا هكذا!!!

كل الأعمال في المقبرة تجري بسرعة وعلى ما يرام ذلك لعدم وجود أي دائرة حكومية أو موظف. وليست هنالك مؤسسات وجدت خصصياً لإخراج الناس عن طورهم – البريد مثلا- إذا أراد أحدنا إرسال رسالة من هنا إلى أحد الأحياء يتولد كل ما يريد كتابته في عقل المرسل إليه كما تتولد هذه الرسالة في عقلك الآن.

ذبابة الحمار الحبيبة سأشرح لك في رسالتي هذه كيف مت. لعله يفيدك في زمن تكونين فيه محاصرة إن لم يكن باستطاعتك الحياة.
إنني مُت، أي أنني ما بعد وجودي. لا كقول الذين يبتلعون العصير المجمد (أوخ ، مُت) قَولي أنا مت ليس كذلك. مت بجد.

ستقولين "ليس في الموت مزاح" ولكن عندما تمر حياتنا مهزلة فموتنا يصبح قبيحاً كل القبح.
اثنان سيبكيان من بعدي: أولهما واصل وثانيهما وداد. أنا دائن للأول بخمسمائة ليرة وللثاني بمائة ليرة فقط. من يعلم مقدار حزنهما لموتي قبل أن أدفع ديني.

كنت كلما نظرت في وجهيهما أُفضّل الموت سلفاً (أي دفعة واحدة) عليه تقسيطاً. ( أي أموت وأحيا وأموت وأحيا).

في البداية خططتُ للموت في البيت، فكرت كيف سيرى المارة سفالتي التي وصلت حتى الركب. سأصبح سخرية للناس، لذلك عزفت عن الموت في البيت، لم أستطع العيش في المصيف صيفاً واحداً ولا ففي المشتى شتاءً واحداً. لكي أعيش في مصيف لم أستطع أن أعيش فيه وأنا حي، سحبت نفسي مثل القطط الأصيلة التي لا تريد أحداً أن يرى جثتها، وذهبت إلى مكان بعيد مكشوف وجميل.

قبل أن أموت سألت نفسي:
ما هي رغبتك الأخيرة؟ قل لنر!
قال صوتٌ من داخلي:
- الحياة!!!
قلت:
تجاوز هذه . لنسألك ثانية "ما هي رغبتك الأخيرة "فهذا السؤال يُسأل أصولاً للذين سينفذ فيهم حكم الإعدام . فإذا كان لك طلب ناتج عن تفكير منطقي فقله.
صرخ الصوت عالياً:
- الحياة!..
طلبك هذا يعني "طلب تحكّم طبقة في بقية طبقات المجتمع" ومسجل في القانون على أنه من أكبر المعاصي.
- عِشتَ كل هذه السنين كذبابة في ذيل حصان. ماذا رأيت وماذا وجدت في هذه الدنيا... آ.. قواد!..
أغمضت عيني وانسحبت من "دار الفناء" إلى "دار البقاء" . فتمددت على طولي في ساقية على حافة الطريق. رفسني أحد المارة رفسة، رفستين. عندما لم يلحظ مني أية حركة فتشني!! وبينما كان يبحث في جيوبي الداخلية تدغدغت وكادت الضحكة تخرج من فمي، ولأنني ميت عليّ ألا أخرج أي صوت. لم يجد الرجل أية نقود في جيوبي، أو أي شيء مفيد، ساعة، قلم حبر، خاتم، موسى، قداحة،... تركني وبصق على وجهي. انه رجل صاحب ضمير كان بإمكانه أن يعمل شيئاً آخر غير البصاق.

نادى أحد المارة:
- في الطريق ميت لا يعد من الميتين!!..
أخبر الشرطة. بالرغم من أن الرجل الذي فتش جيوبي قال للشرطي:
- لا يوجد معه شيء. من المستحيل معرفة شخصيته.
هيه .. هيه.. أنا بلحظة أعرف من هو.
هل هذا صحيح بالرغم من عدم حمله الهوية؟!!
ضرب الشرطي بيده على رقمه المثبت في ياقته وعلى مسدسه، وقال:
- نحن لا نحمل هذه على الفاضي يا حباب. نحن نُخرج من الريح الماء ومن السيل الغذاء.
- ولكن كيف؟!
أجعلهُ يتكلم!!
- ميت.. وهل يتكلم الميت؟!!
- هذا سر المهنة.. كل شخص ممكن أن يجعل الحي يتكلم.. ولكني أجعل الميت يتكلم، وسترى أننا لا نجعل الأموات فقط يتكلمون، بل حتى شواهد القبور تتكلم حتى تظن أنها تنطق بالغزل في جلسة صفاء على شاطئ البوسفور..
- بعد بحث وتمحيص وتمشيط وجدوا في جيوبي أشعار الحب التي كتبتها للفتاة الفاتحية* أم عروق الرقبة البارزة. ولمعلمتي البورصية*. قال الشرطي عندما وجد الأشعار:
- الرجل شاعر. اذا بدأ أحد الشعراء بالكلام فلا يستطيع إسكاته شرطة سبع دول.

سأل أحد فاعلي الخير الشرطي عن سبب أخذ الشعر وتركي في الخندق.
قال الشرطي:
لا يُستطاع الخروج من داخل هذا الذي يسمى شعراً. ولأن هذا الشعر الحديث شيء (ملخبط) مثل الشيفرة فلا يفهمه قارئ ولا مستمع. لذا فشرطة الأمن السياسي، هم أكثر قراء هذا النوع من الشعر.. سآخذ هذه الأشعار إلى الشعبة السياسية ليدققوها لعلهم يجدون فيها مخالفة!!!
ذهبوا وبقيت في الخندق.

هكذا يا ذبابة الحمار الحبيبة، هكذا مُـت. ولكن لم أنته عند هذا. وهل تظنين أن الموت عمل سهل. أيـ..ن! صدقي عندما تموتين في يوم ما، إذ كنتِ ندمتِ على ولادتك مرة، ستندمين على موتك ألف مرة.

لقد أتينا إلى هذه الدنيا في زمان ومكان، إذا أردنا أن نعيش لا يُعاش وإذا أردنا الموت لا نستطيع. لا يدعونك تموتين أن تعيشين... سأحكي لك في الرسالة القادمة ما جرى لي بعد موتي. أبلغي سلامي لمن يسأل عني. قلت من يسأل عني، تذكرت، دخيل عيونك احذري أن تقولي "للديّانة" الذين لهم دين بذمتي عن مكاني. بينهم واحد – أنت لا تعرفينه- لا يتوانى عن عمل شيء من أجل أن يدّفعني نقوده. يموت ويتبعني إلى هنا، أي إلى مكان استراحتي الأبدية، لا تعطي عنواني لأحد، خشية أن يحدث شيء من هذا القبيل. أقبل إبرتك السامة.

الملخص لك
حمار ميت






• اسم وداد يستعمل للذكور.
• نسبة إلى منطقة الفاتح في اسطنبول.
• نسبة إلى محافظة بورصة على بحر مرمرة.



يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: الرسالة الثانية   الجمعة 20 فبراير 2009, 12:07 am

الرسالة الثانية

(الحمار الميت يحكي كيف نُقل في سيارة الإسعاف)

ذبابة الحمار العزيزة والحبيبة

شرحت لك في رسالتي السابقة كيف مت، الأصح، كيف تمددت في ساقية على طرف طريق متماوتاً.. الصعوبة الحقيقية بدأت فيما بعد. اجتمع حولي كل من كان ماراً. صاح أحد المواطنين المتكومين فوق رأسي:
- أي جنس بشري نحن ياهوه..؟ يموت الرجل أمام أعيننا ولا تهتز لأحدنا شعرة.
قال آخر:
- صحيح. أكون سافلاً إذ كان قد بقي في هذا الوطن صاحب شي من إنسانية. هنا أشخاص كُثر ليس بينهم من يهب لتقديم المساعدة.
سأل أحد المزدحمين:
- لماذا لا تقدم المساعدة أنت؟ ألست إنساناً؟
- من الأفضل أن تسأل نفسك بدلاً من سؤالي؟
- أنا عندي شغل.. وإلا كنت رميت نفسي إلى الصيدلية وأخبرتهم هناك..
- عنده شغل. أي شغل وأنت تتفرج منذ نصف ساعة؟
تداخلت الأصوات على شكل ضوضاء.
- طبيب؟ طبيب؟ أليس من طبيب بين كل هؤلاء؟
- قرأت في الجريدة هذا الصباح عن هجرة العقول.. هاجر أطباؤنا إلى أمريكا وألمانيا.. يا أخي ما بقي ففي الوطن أطباء.
- بـ .. آه ألا تعرف شبكات الهاتف.. حتى تأتي حرارة الهاتف يكون الرجل قد فقد حرارته منذ زمن.
- لو انقضت بالموت نعمة.. لو انتظرت حتى إنجاز مخابرة تلفونية لما بقي من الرجل قطعة واحدة حيث تأكله الذئاب والطيور الجارحة. أتظن من السهل إجراء مكالمة هاتفية هذه الأيام.؟
- واخ واخ يموت الرجل أمام عيوننا!!!
- العدل.. لا يوجد عدل.
- ما الذي قاله الشاعر "عذبني آدم لم يبق عدل / أمي تبكي بين شجر اللوز المر"
قال شاب لآخر بجانبه:
- لا يمكن أن يحدث مثل هذا في أوربا أو في أمريكا، إنها دول حضارية.
- ماذا تعني، أتقصد أن دولتنا غير حضارية؟ إذا كنت رجلاً، كرر أمام هؤلاء الشهود.
- أنا لم أقصد هذا.
- ياهوه... اتركوا المجادلة واعملوا شيئاً. الرجل يموت.
- في أوروبا، لديهم مكاتب خدمات اجتماعية في حال حدوث شيء من هذا القبيل، لو سقط كلب متألماً وسط الطريق. يهبون بسرعة ويأخذونه إلى مشفى الحيوانات فوراً.
قفز الرجل الذي بجانبه.
- بلا خلط .. ليس هكذا .. في أوربا أو أمريكا، لا يتدخل أي شخص في شؤون الآخر. لكل شخص عمله حتى أنه إذا صرخ أحدهم بجانبك متوسلا "إني أموت، بَلعة ماء كرماً لله" لا أحد يعطيه ماء. فهمت؟
- سيدي، وهل ذهبتم إلى أوربا حتى تتكلموا هكذا؟
- شخصياً لم أذهب.
- إيه...
- إذا كنا لم نذهب ، فسمعنا ممن ذهب، فوق ذلك أنا أقرأ الصحف.. أذهبتم أنتم؟
- بالطبع. نظمت الرابطة النقابية في مؤسستنا السنة الماضية رحلة لمدة خمسة عشر يوماً في حوض البحر الأبيض. درنا كل من اليونان، إيطاليا ، إسبانيا طولاً وعرضاً وبعدها يا سيدي.. سيدي.. ذَكّرني ما اسمها.. المهم، كلها كل أوربا.
- وضع الإنسان الذي يتجول في أوربا شيء مختلف.
- في آخر رحلاتي إلى أوربا علمت أن...
- أليس من صاحب وجدان بينكم؟
- موجود، ما العمل؟
- جميل، اذهب خبّر الإسعاف.
- لا يتدخل أحد في أوربا أو في أمريكا في حي ولا في ميت. لماذا ؟ كونهم بلاد حضارية. لكل عمله . لانتشال الساقطين في الطريق، الساقطين في ساقية على طرف الطريق، الساقطين المتوفين، الساقطين غير المتوفين، منظمات مختلفة، لا يحدث كما هو عندنا هكذا. لا يقفون يتفرجون على موته وهو يلفظ أنفاسه ، يمرون دون أن يتوقفوا.
- يعني لم يبق عندهم إنسانية أيضاً، كيف يمر الإنسان دون أن يتوقف أو يعمل أي شيء، يلتفت على الأقل.
- هذا يعني، إلا من كان عمله. يأخذونه ويعملون به ما يريدون.
- لو فككت زنار وأزرار صدر المسكين.
- يا سيدي أفضل عمل في حالة كهذه التدليك. لو دلكه أحدنا لأنقذناه.
- لو حركوا أرجله وضغطوا على صدره قليلاً. يمكن أن يصحو.
- أي تدليك . يا أخي أي تدليك... آه.. مات الرجل وأنت بِمَ تتكلم.
- مات! واخ واخ.. أماه.
- لماذا استغربت.
- كان حياً قبل قليل.
- وما المدهش في هذا؟ بعدها مات. كل الأموات قبل أن يموتوا بقليل يكونوا أحياء.
- الروح مثل الطير، دقيقة موجودة ودقيقة لا.
- هذه نهايتنا جميعاً.
- نحن لا يمكن أن نكون بشراً يا أخي. وهل من الإنسانية أن يكون هذا الحشد فوق رأس الرجل ولا يساعده أحد.

عزيزتي ذبابة الحمار، في الحقيقة كنت معجباً جداً بحديث الناس المجتمعين فوق رأسي. لو كنت أعرف أن كل هذه المتعة لهذا الحدث لذهبت كلما ضجرت إلى إحدى الساحات المزدحمة ووقعت مؤدياً (مشهد) الموت.
لكن لحظتها لا يمكن لي أن أعمل ذلك المشهد لأنني وعدت بأنني سأموت. ولا يمكن لي أن أرجع في كلامي لأن كلمتي كانت أمام جمع غفير من الناس.
بعض العابرين، يقفون منذ نصف ساعة من الزمن يستفسرون، ويحصلون – حسب اعتقادهم – على بعض المعلومات عني، ويذهبون. والبعض يمل لسماع كثرة التفاصيل الدقيقة والمطولة فيولون. ولأن كل أربعة – خمسة أشخاص يحتلون مكان كل ذاهب، فالازدحام كان يكبر. يتدافعون لرؤية الميت.
صرخت امرأة بولد أمامها:
- ما عمل ولد يقف هنا أما رجل؟
بعدها قال رجل كان يحمي بين ذراعيه امراة من الزحام:
- لم يبق تربية. ومع هذا يقولون إنهم يربون الجيل الجديد للوطن "خرجت إلى الهضاب ، لأنه لم يبق عندي سوى صاحب الجناب".
- ومن هم الذين تجتمع فيهم الأبوة والأمومة في هذه الدنيا؟
قال واحد ممن يدقق في ألبستي، عيني، حاجبي...
- انظروا إلى ربطتي حذائه، إحداها سوداء والثانية بنية.
انفجر الجميع ضاحكين من هذا الكلام.

خجلت إلى حد. أردت أن أخفي إحدى قدمي تحتي حتى لا أبدو أنني استعملت ربطات حذاء مختلفة الألوان. ولأنني ميت فمن العيب أن أتحرك من ناحية، ومخالف للأعراف من ناحية أخرى. عندها أيقنت أنه على الواحد منا.. أن يفكر جيداً أو يستشير الآخرين قبل أن يعمل أي شيء. إذا كنت ستموتين فعليك أن تعرفي شكل استلقائك على الأرض. وعلى هذا الأساس ستحسبين سقوطك. أنا عندما مت تمددت في ساقية على حافة الطريق بشكل عشوائي، حتى إنني لم أفكر أن بعض النبهاء من المواطنين سيلاحظون أن ربطتي حذائي من لونين مختلفين.

قال أجد المدققين فيما كنت ألبس:
- أراهن على ان حذاءه رُقّعت نعلُه ما لا يقل عن ثلاث مرات. أكثر المتألمين عليّ كانت امرأة مسنة صباغها ودهونها طبقات.. طبقات. قالت:
- واخ واخ.. ما شاء الله رموشه طويلة ومقلّبة. يا حيف على شبابه.
ما هؤلاء الناس ليس بينهم أي شبه. منهم من هو صاحب مزاج بالشعر ومنهم بالرموش. من يخطر بباله أن هذه المرأة صاحبة مزاج بالرجال، ذوي الرموش الطويلة؟
- بنطاله عيون عيون.
- أكمام (جاكيته) مهترئة.
- بنطاله ذاب تماما عند الركبة.
- ما الذي تقولونه، ياهوه..
- ماذا سنفعل؟
- ليخبر أحدكم طبيباً.
- إنه يموت أمام أعيننا.
- لنر فيما إذا كان حياً.
- يا عزيزتي ليمت أو ليعش فما علينا نحن إلا أن نشهر إنسانيتا.
- كم عمره قولكم؟!
- أربعون.. خمسة وأربعون
- لا أظن ليس أكثر من ثلاثين
- أنا أعرف بالبشر. يكفي أن أنظر في وجه الإنسان لأعرف من أي طينة هو.. هذا الرجل موظف محدود الدخل مئة بالمئة.
- وأنا أقول أنه كذلك.. إنه من النوع الذي يعمل وهو يجلس إلى الطاولة بشكل دائم.
- من أين عرفتم هذا؟!
- انظر إلى كوع جاكيته لقد اهترأت تماماً.
- انه قصير القامة.
- لا يعرف عمره تماما.
- أتريد أن أقول لك شيئاً ؟ ليست الفرجة لمن يموت بأجَلِه هكذا أية قيمة. وليس لها أية بهجة. لينفذ الإعدام. عندها تصبح للفرجة متعة.

ذبابة الحمار الحبيبة، بقيت في تلك الساقية أكثر من ست ساعات على ما أظن لأن الشمس كانت على وشك المغيب، كان الناس يأتون فصائل فصائل ليتفرجوا عليّ. الجميع حزين ومتأثر، وتألموا لكوننا أناساً سيئين لا نساعد بعضنا. حتى أن البعض تمادى فشتم ودعا على من لا يمد يد المساعدة، وبينما كانوا على وشك رفعي، إذ بأحدهم يقول وهو معلم باعتقادي:
- لو كنت أعلم لأتيت بالتلاميذ ليتفرجوا كيف يموت الإنسان ونعمل درساً تطبيقياً.
صرخ أحد المواطنين محاولاً تفريق الزحام:
- ألم تروا في حياتكم ميتاً حتى تكومتم فوق رأسه.
حاول رجل آخر أن ينظم الجمع فقال:
- لنقف بالدور يا شباب، بالدور بلا تدفيش ولا مزاحمة.
بينما كانوا يضعونني في سيارة الإسعاف، شق أحد المواطنين الازدحام لرؤيتي قائلاً:
- دقيقة يا شباب.. لقد أتيت من مسافة بعيدة لرؤيته.
سألوا الرجل:
- أمن معارفكم؟ أم أقاربكم؟
قال:
- لا، علمت بالأمر فأتيت.
يا حرام، لم يتمكن كل المواطنين من رؤيتي.
انطلقت السيارة. تبعها ركضاً بعض الأولاد والشبان لدقائق، في النهاية فهموا على ما يبدو أن قوة الإنسان، لا يمكن أن تسبق قوة الآلهة.
ذبابة الحمار الحبيبة، في الرسالة القادمة أحكي لك حكاية رحلتي - نعم كانت رحلة – في سيارة الإسعاف.
تحياتي وقبلاتي لإبرتك وعيونك.


المخلص
حمار ميت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: الرسالة الثالثة   الجمعة 20 فبراير 2009, 12:14 am

الرسالة الثالثة

(الحمار الميت يحكي عن رحلته في سيارة الإسعاف)



عزيزتي ذبابة الحمار

أبدأ بالسلام، والقبلات الحارة من إبرتك.
شرحت لك كيف تم موتي وإلقائي في سيارة الإسعاف بالهلهلة والصياح، والطبل والزمر. الآن اسمعي ما وقع لي بعدها. (إن رحلة عشرين ألف فرسخ في غواصة) لا تساوي شيئاً أمام رحلتي في سيارة الإسعاف.
مددوني على طولي في مؤخرة السيارة. فجأة صعقني الخوف ظناً مني أنني راكب في سيارة (تكسي)، وسيطلب السائق الأجرة. ثم ارتحت بعد أن تذكرت أنني ميت.
لم نسر في الطريق مسافة خمس مائة متر حتى خرج صوت محرك السيارة (زيك) ووقف، ولم يتحرك مرة أخرى. تقدم السائق نحو المحرك كسياسي ينفث النار على خصومه.شَتمهُ، هَزَهُ، خربطه، ولكن السيارة لم تتحرك ولا بأي شكل، تظنها صَبّة (بيتون) مثبتة في الأرض كإسفين. قال السائق للجمهرة التي طوقته:
- أمن غير الممكن ألا يزدحم الناس؟!! نحن لا نعيش إلا بشكل مزدحم. ما دمتم مجتمعين، يالله يا شباب لندفع العربة من الخلف! غيّر السائق طريقة لفظ كلماته، أعاد ترتيبها، كررها لمرات بتوسل، للمتجمهرين، عندها بدأ الزحام يخف. لحظتها قال لمعاونيه.
- أرأيت كيف فرقت الزحام؟ إذا اجتمع عليك مثل هؤلاء العاطلين وأردت تفريقهم فما عليك إلا طلب المساعدة. اطلب منهم شغلة صغيرة. عندها سترى الجميع يهربون.
توسل السائق لمن تبقى حول السيارة، المساعدة، قال بعض الكلمات المحملة بنوع من القداسة مثل وطن، شعب، ضمير، لكن المزاحمين كانوا يجرجرون أقدامهم متراجعين.
نصح أحد المنسحبين السائق الذي كان يحاول العبث بالمحرك:
- لا تلعب فيها على الفاضي، إذا خربت العربة يقال "أينما تقول تك، فهناك اترك.."
- أأنزل وأدفع السيارة من الخلف يامعلمي؟!
قال السائق:
- اجلس في مكانك، سترى كيف سأجعلهم يدفعون السيارة.
مط رأسه من النافذة وقال:
- الله يرضى عليكم ، من يحب الله فليدفع السيارة من الخلف.
بقوله "الله يرضى عليكم" اجتمع المتفرقون وكأنهم جمع نمل تهجم على قطعة سكر.
مسكوا السيارة من يمينها، يسارها، عجلاتها، غطاء عجلاتها، خلفها ، أمامها، جنبها.. مسكة، من الأصح أن نسميها لمسة. مثل تلك التي تلمسها سيدة من طبقة اجتماعية راقية ليد رجل من طبقة اجتماعية دنيا عندما تكون في موقف مضطرة فيه للسلام عليه.
أما من ناحية الصياح والصراخ، فكانوا يصيحون بشكل تظن معه أن الأرض تهتز. فوق كل ذلك ، كان كل واحد يُحمس الثاني من كل قلبه:
- يالله يا شباب.
- الصبر يا مواطنين.
- ياللـ .. ـه .. واحد، اثنااا......ن ، ثلاثة.
ولأنه لم يكن أحداً منهم يدفع بجد، بل أحدهم يأمر الآخر الذي يتوسل، المتوسل يطلب على آخر، لذا كانت السيارة لا تتحرك حتى بمقدار إصبع.
يالله يا شباب.
- ادفعوا يا أخوة الدين.
- اصبروا قليلاً على الدفع ياهوه!
- ما فائدة الاسعاف إذا لم تصل إلى المشفى في زمانها.
- اصبروا قليلاً يا مسلمين، اصبروا على الدفع ياه..
- كلنا مع بعض.
- يالله.
لو أنكِ سمعتِ صراخهم، لظننت أنهم وجدوا دافعة أرخميدس، وسيقلبون الدينا رأساً على عقب. لكنهم لا يحركون حتى عربة على أربع عجلات بمقدار إصبع.
- من الأول مرة أخرى.
- كلنا مع بعض.
كانت قطرات العرق تك .. تك ، تسيل من رأس أنف السائق الجالس خلف المقود. الحق، لم يكن ثمة من يدفع غير السائق. ولأنه جالس على كرسيه داخل السيارة فهي لا تتحرك.
- يالله بقي القليل.
- زكاتكم، لندفع يا شباب.
قال الساق :
- لو تحركت قليلاً من مكانها، لما توقفت.
سأل المعاون:
- معلمي، هل تسير فعلاً إذا تحركت قليلاً.
ماذا تعني بقولك تسير، قل تطير.. ولا يُمكن إيقافها.
يا حفيظ.
كان رجل عجوز يصيح من بعيد وهو قادم.
- همة الرجال تقلع الجبال.
- ماذا يعني الكلام بابا.*- يعني يا ابني إن الشباب إذا أرادوا – يستطيعون قلب الجبال، رأساً على عقب.
اتركنا من القلب رأساً على عقب، ياهوه.. كفاية علينا تحريكها بمقدار إصبع.
كان الأطفال يدفعون خلف الرجال وفي الدائرة الخارجية، النساء والشيوخ.. وهم أيضاً يخرجون صوت، هيه..هيه، مثل الصوت الذي يخرجه دقاق القهوة – على زعمهم – أنهم يحمسون دافعي السيارة.
- ادفعوا يا أخوان.
- من يحب الله فليدفع هذه البلية.
كان هناك من يقدم بعض وجهات النظر.
- لو كانت هذه السيارة في أمريكا لغدت كالريح وطارت.
لماذا تطير في أمريكا.
- هناك تطير.. لا أدري، لماذا هذه الآلات ذات المحرك تغدو عندنا مثل حمار عنيد وضع أمامه الماء. لا تمشي يا سيدي لا تمشي، إنهم يدفعون دون جدوى.
- أتذكرون القطار الكهربائي؟
- وهل يذكر القطار الكهربائي الآن؟
- ما قولك في أنه لم يمش، يا هوه.
- سيدي، السبب ، مناخنا.
- لا ياه...
لا أقول إلا الحق.. في يوم من الأيام اشترينا سفينة من ألمانيا. السفينة تسير بسرعة عشرين ميلاً في الساعة، ثلاثين ميلاً أو ستين... لم أعد أرى كم ميلاً...
- لا يكون جَمل؟!
- ليس جملاً يا سيدي، أتت بسرعتها إلى أن وصلت إلى مياهنا الإقليمية، وعندها لم تتقدم ولا ميليمتراً واحداً. حتى الأمواج لم تحرك السفينة. أداروها إلى الجهة المعاكسة فانطلقت بسرعتها، وجهوها ناحية مياهنا الإقليمية فوقفت مثل حصان يشرئب ولا يتحرك إلى الأمام.
- لا ياه، وماذا أيضاً؟!
- أيامها، كتبت عنها الصحف، ألم تقرأها؟
- السبب هواء البلد وماؤه، يجب أن يُصنع محرك مناسب لمناخ كل دولة على حده.
- اسمع، هذا الكلام صحيح. الباصات التي تعمل على خط منطقة الأكواخ لا تعمل في أي مكان آخر. في حين أنها على ذاك الخط وظ.. وظ تذهب وتأتي. لماذا تشتغل؟ السبب تعليق عبارة يا (معين) فوق المقود. إنها تسير بقوة هذه العبارة.
- لا ياه...
- أين قباطننا القدماء.. لو ركب قباطننا القدماء – ليس تلك السفينة التي من صنع الكفار – بل لو رَكّبتهم الجزر لسيّروها. لو كانوا موجودين الآن لسيّروا جزيرة قبرص بطولها وعرضها.. وربطوها على رصيف (القرة كويْ)*
- هناك قول عن أحد القباطنة
- هذا، عرفته، إما بربروس* أو المعمارسنان*
أحدهما قال أعطوني الشراع الذي أريد وأنا أسّر لكم جزيرة كريت.
- وهل سيرها؟
- لم يعطوه الشراع الذي طلب. لو أنهم استطاعوا ، لسيّر قبطان البحر الجزر ، وشكل منها أسطولاً.
- يالله يا اخوان، اتركوا الحكي وادفعوا قليلاً.
- مع بعض.. هيه!
- من أول.. واحد.. اثنان.. ثلاثة!!
- تعبنا ياهوه، لنسترح قليلاً ونشرب سيجارة.
- راحت تلك الأيام من زمان، يا سيد، راحت مع الماضي. أصبحت من خبر كان.. أين تلك الأيام؟ كان عندنا الانكشاريون، شارب أحدهم يكفي لشنق أحد الجنود الأعداء.. قَدِّرْ ذاك الشارب.. كان عندنا جوقة الموسيقى العسكرية، كانت ضربة أحدهم على الطبلة تحرك الأرض من مكانها، وتهز السماء. حتى إن وجوه جنود الأعداء تتمزق من الخوف، صراخ جنود بحريتنا كالعاصفة... يغرق سفن الأعداء..
- لا ياه.. ماذا؟
- هذا ما كتبه التاريخ، انظر إلى حالتنا الآن. أربعون خمسون شخصاً مجتمعين ولا تستطيع تحريك خردة سيارة إسعاف مكسورة المؤخرة.
- والله صحيح.. احضر طبال الانكشاريين ولنر فيما إذا كانت سيارة الاسعاف هذه تستطيع أن تبقى مكانها؟ والله لو ضرب الطبال الانكشاري على الطبلة لتحولت السيارة إلى طائرة، تطير وتذهب.
- أنا لا أعرف هذا ولا ذاك... الذي أعرفه، أنهم لم يستطيعوا أن يسيّروا سفينة الألمان في مياهنا الإقليمية.
- تحركوا يا أخوة الدين.. يالله يا سباع، يا أبطال
قال السائق، السابح في عرقه لشدة دفعه من داخل السيارة.
- لو مشيتموها قليلاً لتابعت لوحدها.
- لماذا تسير السفن والقطارات والباصات في الدول الأخرى ولا تسير عندما تأتي إلى بلدنا؟
- تستغرب.. ألم أقل لك، مناخ البلد؟
- نعم، هذه المحركات صُنعت من أجل مناخ دول أخرى، مناخنا لا ينفعها .. إنها مثل الإنسان تماما.. لكل إنسان الطقس الذي يؤاتيه، هواء الجبل جيد للبعض والبحر للبعض الآخر والسهل أيضاً.
- عيب عليك أن تحكي هذا الحكي، وأين يوجد مناخ مثل مناخ بلدنا؟
- حاشا. ليس هناك كلام على مناخ بلدنا.. نحمده على مناخنا الجميل.. ماذا لو كان هذا غير موجود أيضاً. أنا قولي ليس بهذا المعنى.. أنا أقصد لو كان لدينا مصانع لصنعنا محركات تناسب مناخنا.
- ادفعوه قليلاً ياهوه.
- ادفعوا!
- أججت صيحات المواطنين الحماسة فيّ حتى كدت أنسى أنني ميت، وأقوم وأدفع سيارة الإسعاف مع الناس. من مساوئ الموت أنك إذا أردت أن تهبّي لمساعدة الأحياء فلا تستطيعين. حتى إنني لم أستطع الوقوف جانبا لأدعمهم بالصياح.

ذبابة الحمار الحبيبة، بينما كنا على هذه الحال نحمّس بعضنا بين ميت وحي، خرجت سيارة خاصة، وبأعلى سرعة ضربت مؤخرة سيارتنا . بهذه الضربة أخرج محرك السيارة صوت "عن.. عن". ثم قفزت السيارة إلى الأمام وكأنها كلب حراسة يطارد لصاً. (اللي بيحب الله لا يمسك بسيارتنا) . السيارة بدأت تمشي، ماذا يعني تمشي؟ كانت تطير.. السائق على حق، ألم يقل "إذا مشت تمشي على طول" تلبّس السائق الخوف لأن سرعة السيارة تزداد، وهذا يعني أن حرارة المحرك تزداد ارتفاعاً، قال السائق لمعاونه:
- ضربت السيارة الخاصة مؤخرة سيارتنا بقوة، ولم يعد باستطاعتها الوقوف.
- الفرامل، الفرامل يا معلمي.
- أي فرامل يا بني، وهل تفعل الفرامل شيئاً مع هذه السرعة.
لكوني في الداخل لم أستطع مشاهدة خارج العربة وأغلب الظن أن السيارة مرت من أمام مشفى الإسعاف عدة مرات ولكن السائق لم يستطع إيقافها وغضب من معاونه وصاح به:
- ولاه، بماذا ملأت السيارة بنزينا أم زيت نفط؟
لم يخرج المعاون صوته.
كنا ندور في أحياء اسطنبول. ولله الشكر أن السائق كان يتحكم بالمقود جيداً فلم يقع حادث لا أشكره لنفسي من أجل المسكينين،السائق والمعاون اللذين يريدان العيش أكثر.

ذبابة الحمار الحبيبة، نهاية رحلة سيارة الإسعاف التي غدت كدورات الأعياد سأحكيها لك في الرسالة القادمة، لعل وجهك العابس من مماحكات السياسيين في الحياة يضحك ولو قليلاً. أدعك بخير، ذبابة الحمار الحبيبة.


مع محبتي
حمار ميت


• وردت هذه العبارة بالعربية، ومكتوبة بأحرف تركية، لذا يسأله السائق عن معناها.
• اسم المنطقة التي تحوي الميناء الدولي في اسطنبول، وأحد موانئ النقل الداخلي بين اسطنبول الغربية والشرقية.
• أحد القباطنة العثمانيين المشهورين.
• أشهر فناني العمارة في القرن التاسع عشر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: الرسالة الرابعة   الجمعة 20 فبراير 2009, 12:32 am

الرسالة الرابعة

(حكاية عطل سيارة الإسعاف)

ذبابة الحمار

مع فرملة سيارة الإسعاف وخروج صوت منها محملاً بالمرارة ، وصل أحد المواطنين إلى مرحلة كاد أن يمسح اسمه من قوائم الانتخابات وسجلات النفوس. ولأن لا مال له ولا جاه، التف حول الرجل الجريح الملقى على الأرض، جمع غفير من المواطنين ممن لم يجدوا وسيلة أخرى للتسلية.
قال واحد منهم:
- محظوظ هذا الرجل.
قال آخر:
- نعم لا يمكن أن يكون هناك إنساناً محظوظاً أكثر من هذا. ليشكر ربه على أنه دُهِس بسيارة إسعاف.
- هذا ما اسميه حظاً.
- المريض المكتوب له أن يعافى يأتيه الطبيب إلى قدميه.. أليست الحسبة نفسها. السيارة التي عفست الرجل تأخذه إلى المشفى. ماذا لو عفسته سيارة أخرى..
- كان سيحرق نفسه. لو تخبط طول النهار على الرصيف لما وجد سيارة إسعاف.
- لا إسعاف يا سيدي.. نحن راضون بسيارة زبالة.
- واخ واخ.. أنت تطلعت عالياً أكثر من الحد.. أين نحن من سيارة زبالة. منذ أسبوع ولا تتنازل للمرور من حارتنا.
- حظ.. هذا حظ يا أخي.. اسطنبول، طولها وعرضها، كم ألف شاحنة فيها، وكم ألف سيارة خاصة ومن نفس العدد (تكسي)، وكم ... وليس فيها أكثر من خمس – ست سيارات إسعاف واحدة منها، تدور .. وتدور... وتدور... وتجد هذا الرجل، أي حظ هذا؟!!
- لا ، عند البلدية عشر سيارات إسعاف، ثمانية منها معطلة باستمرار.
- نعم، على قولك ياه.. من بين كل الألوف من السيارات الصغيرة والشاحنات والباصات تصدمه سيارة إسعاف.
- الفائز بالجائزة الكبرى باليانصيب، لا يعد محظوظاً مثل هذا.
- بالضبط.. المحظوظ فعلاً ، هو من يُصدم بسيارة إسعاف كهذه.
- بعد أن يموت الإنسان ما الفرق معه أن يُدهس تحت سيارة إسعاف ، أو شاحنة، أو سيارة زبالة أو سيارة خاصة؟
- لا فرق إن مات. ولكن تفرق كثيراً لو أنه لم يمت.. وهذا الرجل لم يمت بعد.
كان الرجل المصدوم قد طار مقدار عشر خطوات إلى الأمام في الهواء وسقط على الأرض.. وقد ملأت دماؤه التي تسيل من جروحه ومن فتحات جسمه حفر الإسفلت.
قال أحد المتجمهرين:
- ما شاء الله على دمه.
قال آخر:
- من الواضح ، بالنظر إلى كمية دمه أنه ذو شأن.
- أي شأن أنا أعرفه؟
- إذا كان غير ذي شأن فمن أين له كل هذا الدم؟ انظر الدم يجري وكأنه من ثور مذبوح.
- هذا الرجل محترف بيع الدم(للبنك). كان يحمل مذياعاً صغيراً يضعه على أذنه عندما يقول المذيع مريض بحاجة إلى دم.. يذهب بسرعة إلى المشفى أو (بنك الدم) إن كان دمه يطابق الدم المطلوب. كان يعيش عال العال من بيع الدم.. جسم هذا الرجل الذي أمامك، إذا شرب ماء يحوله إلى دم.
- في يوم من الأيام صدمتني شاحنة. غبت عن الوعي. إن أردت الحق فأنا غبت عن الوعي قبل أن تصدمني بكثير.. المهم، شاحنة بوزن عشرة طن عفستني ولم تسل مني قطرة دم واحدة.. في اليوم الثاني رفعوني من وسط الشارع إلى المشفى. لحظة قول الطبيب "سنجري له جراحة" بكت أمي كثيراً وأصبحت عيناها مثل نبعين وقالت للطبيب "دخيلك يا بني، مادمتم ستعملون له عملية، صارت وصارت، ابني عنده فتق والزائدة، اعملوا له إياهما ينالكم الثواب" .. مددني الطبيب على طاولة العمليات وبدأ الذبح والقطع يقطع ويقطع دون أن تسيل نقطة دم واحدة.
- يعني دمك جاف.
- لا يا أخي أين الدم ليجف.
- إذا جف دم الإنسان فليشرب عرقاً، يتميع فوراً.
- ماذا تقول.. أين الدم ليفسد.
- لا تقبلها، وهل يعيش الإنسان دون دم؟
- ودهش حتى الأطباء.. حتى إن الطبيب الذي عمل العملية قال "لا بأس أن لا دم فيه. لو كان عنده دم حين دهسته الشاحنة لسال وسال حتى لم يبق منه شيء.. عندما كان سيموت" لا يوجد عندي دم ليسيل.
- لا تصدقوه، كذاب.. وهل يدخل في العقل: أن الإنسان يعيش دون دم؟
- لا يمكن مطلقاً أليس دم كل شخص أحمر، دمي أنا أبيض. أتعرف البطيخ قبل أن يصبح أحمر كيف أن لونه يميل إلى الصفرة. دمي من ذاك اللون.
- أيعقل هذا؟
- وهل تحمّر البندورة إذا لم تتعرض للشمس؟ لا، دمي أيضاً. أنا ولدت ونشأت في قبو ولعدم رؤية جسمي الشمس لم يحمرّ دمي.
- ها.. الآن صار كل شيء آخر.. معقول.. قل هذا من البداية.
رموا الرجل المصاب بجانبي. أصبحنا في السيارة جريح وميت والمعاون والسائق وأربعة. ضرب العناد رأس السيارة ولم تعد تمشي... أية عربة هذه ، إذا مشت لا تعرف الوقوف، وإذا وقفت لا تمشي.
قال أحدهم:
- في الجوار ورشة تصليح . لندفعها إلى هناك.
بدأوا الدفع بالحكي.. اللعبة القديمة تجددت. ليس إيصال العربة هو ما يريدونه، لكنهم يريدون أن يتسلوا.. تسلية من دون نقود.
قال واحد من بينهم:
- هل تعرفون كيف رفع أربعون شخصاً بيضة واحدة.
- بيضة واحدة، أربعون شخصاً، وماذا أيضاً؟
- سيدي، قال الملازم أول للجنود "ارفعوا هذه البيضة من هنا" ثم ذهب. إثر ذلك اجتمع الجنود، أحضر أحدهم بطانية من المهجع ووضعوا البيضة فوق البطانية ثم مسك كل جندي جزءاً من حافة البطانية ورفعوها.
- وما القصد؟
- القصد، أنهم يدفعون سيارة الإسعاف بنفس الطريقة.
- بدلاً من تقديم نصائحك لهذا وذاك . . ادفع أنت..
التقى سائق الإسعاف، سائق (تاكسي) من معارفه، ربط سيارة الإسعاف في مؤخرة التاكسي وأخذها للمصلّح. عندما فتح المصلح غطاء المحرك ونظر إليه، صاح بأعلى ما يمكنه:
- ما هذا؟!!
رد السائق ببرود:
- ماذا حدث؟
- ما الذي سيحدث أكثر؟ أنا مصلح لمدة أربعين سنة، في حياتي لم أر محركاً كهذا.
- إذا لم تكن قد رأيت ، هذا أنت ترى الآن.
- في هذا المحرك قطع تبديل من كل أنواع الآلات، من ماكينة الخياطة حتى من ماكينة الحلاقة.
قال سائق الإسعاف ببرود:
- أخطأت بقولك، ماكينة حلاقة. هذا ليس لا أحد براغي (البسطون) لمحرك قطار. في أحد الأيام كنا ذاهبين إلى المشفى بسرعة قصوى مقدارها عشرون كيلومتراً. ومعي مصاب. في الطريق، تعطلت السيارة . أخذناها للمصلح. لم يجد المعلم بدلاً من القطعة الخربانة.
- فهمت..بسبب عدم وجود العملة الصعبة، لا يوجد قطعة تبديل لأي ماكينة. عندما لم يجد القطعة البديلة وضع هذا مكانها.
- لم يكن هذا هو السبب. موديل سيارة الإسعاف، قديم جداً. لا يوجد الآن أي محرك من نوعه. ما العمل؟ سيموت المصاب في السيارة من النزيف. لو كنا في المدينة، سهلة. كان بإمكانه لف الجرح، تعمل امصال على شكل طرد تضعه أمانة عند رجل ما، وتذهب إلى المشفى وتعطيهم خبراً. لكننا لسنا داخل المدينة. المهم، دلنا فاعل خير: "هناك ورشة للخطوط الحديدية، في الورشة معلم يفك محركات القطارات القديمة ويعمل منها جرارات. والجرار يعمل منه رافعة، عَمله، الفك وصنع أشياء أخرى. لا يستعصي عليه شيء" ذهبنا إلى تلك الورش. الرجل معلم أعطيناه الأجرة وفهم عطل المحرك. جرب كل ما في الخزائن، على الرفوف، في أرض الورشة من براغي، عزقة، مسمار، محور دراجة على دراجة على أن تركب مكان القطعة المعطلة في محرك سيارتنا، فلم تركب. بعدها طابق برغي مسنن ذراع (البسطون) لمحرك قطار، القطار الخاص بالسلطان.. لا أعرفه.. ركّبه للمحرك، فاشتغلت السيارة.
سأل المعاون السائق:
- ألهذا السبب يخرج صوت (شق، شق) من سيارتنا؟
قال السائق:
- من المحتمل.
قال المصلح للسائق:
- (بتحب الله)
- لا إله إلا الله.
- وبعد.
سيدنا ، بعدها ، وقع نظر بعض السياح على سيارتنا، صوروها ، نشروها في جرائدهم وكتبوا تحتها "سيارة، من قبل اختراع السيارات بخمسين سنة" عندما قرأ مدير المصنع الذي صنع سيارتنا الخبر. حمل نفسه وأتى إلينا لرؤية السيارة. كان المصنع يبحث عن أقدم سيارة صنعها، ليضعها في المتحف. عندما رأى الرجل سيارة إسعافنا – لشدة سروره – رمى قبعته في الهواء. وصرخ بالأمريكي "هووو...". اجلسوا للاتفاق. دفع الرجل مقابل خردتنا هذه عشر سيارات إسعاف جديدة، مع قطع تبديل. كانت سيارتنا تغطي عجز الميزانية.. المهم، جماعتنا لانوا قليلاً.. لا ندري كيف خطر ببال الرجل أن يرى محرك السيارة. لحظة فتحوا الغطاء ورؤيته للمحرك، شخصت عيناه، كأنه أصيب بمس. قال: "أنا أصنع سيارات منذ أربعين سنة لم أرَ ولم أسمع في حياتي عن محرك كهذا"
- ما سبب إصابة الرجل بكل هذه الدهشة؟!!
- لماذا لا يُدهش.. في محرك سيارتنا قطعة – قطعتي تبديل من كل ماركة من الماركات الموجودة على سطح الأرض. أو محركات مصانع أو سفن. لم يبق في المحرك الأصلي لا قطعة ولا حتى برغي. هذا يعني أننا خلال هذه الفترة فكينا كل قطع المحرك، وركبنا بدلاً عنها كل ما يقع تحت يدنا. بدأ الرجل يخربط المحرك مذهولاً. طلع بيده خيط. سأل: "ما هذا: قلت: "قطع السلك الذي كان هان فربطت الخيط مكانه". خرجت بيده قطعة مطاط من مكان آخر، فقال: طيب، وما هذا؟ قلت: هذه حمالة بنطالي. انقطع (قشاط) المحرك فوضعت مكانه حمالة بنطالي. كنت أتكلم مع الرجل بواسطة مترجم. قال الرجل "هنا اثنتان" قلت: "نعم حمالتي مقطوعة ففككت حمالة بنطال المصاب الذي في السيارة" عندها بدأ الرجل يشد شعره. بهزة صغيرة للسيارة نزل منها بين كبير وصغير عدد من البراغي والمسامير!! بيورات خشبية! أمسكت بيده وقلت: "لا تُعامل هذه السيارة كما يعامل المواطن في مديرية الأمن عند التحقيق" سأل: "ما هذه المسامير؟ هل تحمّلون في السيارة مسامير!". نستعملها لتثبيت القطع التي نركبها بدلا من الأولى. عندما تمشي السيارة في طريق صاعد ينزل المعاون ويلملم البراغي والمسامير من خلفها. غضب الرجل، تغير لونه وسأل: "كيف تمشي هذه السيارة؟ أتى دوري في الكلام، ولم أعد أحتمل، سحبت الرجل من يده وأقعدته خلف المقود. تكلمت والمترجم يترجم له: "هل تظنون أن بإمكان السيارة المسير بالمحرك الذي صنعتموه أنتم؟ ! طز . لو بقيت على ما صنعتم لخربت بل وعفنت منذ زمن طويل.. البركة في دعائنا. انظر فوق المرآة ، انه دعاء النمل. هنا "البسملة" وهناك "ماشاء الله" وفي السقف "ياحافظ" وهذه خرزة زرقاء تحمي السيارة من عين الحسود. هذه فردة حذاء طفل قديمة، وحدوة ورأس ثوم تجلب الحظ للسيارة... وهذا درع سلحفاة صغيرة تحمي السيارة من الحوادث. اصحُ لنفسك يا سيد.. هذه السيارة لا تعمل بقوة البنزين والمحرك. هذه تعمل بقوة الله ونبيه. قال بنزين، قال زيت، قال ماء.. هذا كله حكي فاضي. لو أننا نضع بنزيناً وزيتاً وماءً لكانت السيارة سيارتكم. أعلم أننا لا نضع هذه الأشياء إلا مراعاة للأصول. "عَدَلَ الرجل عن شراء سيارتنا، وترك (هالكافرة) على رأسي. ليس في هذه السيارة أي قطعة باستثناء الهيكل وهو مثل (البقجة) المرقعة. بالتالي لا يستطيعون قيادة هذه السيارة أبداً.

طالت الرسالة يا ذبابة الحمار الحبيبة وأنا تعبت أيضاً. في الرسالة القادمة أحكي لك كيف أُصلحت السيارة، وكيف نُقلت والرجل الجريح إلى المشفى . لو سأل عني أحد، وأبدى حزنه بعد موتي قولي له إنني أنتظره بشوق في المقبرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيروز عون
Admin


انثى
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمل/الترفيه : استاذة
عدد الرسائل : 680
نقاط نشاطه : 31208
صوت له : 18

مُساهمةموضوع: لرسالة الخامسة   الجمعة 20 فبراير 2009, 12:43 am

لرسالة الخامسة

( حكاية صدم سيارة الإسعاف بالشجرة)

عزيزتي ذبابة الحمار:
وعدتك في رسالتي السابقة أن أحكي لك كيف أُصلحت سيارة الإسعاف، ونُقلنا إلى المشفى. اسمعي:
أدخل المصلح رأسه داخل المحرك محاولاً معرفة مكان العطل. لكنه لم يستطع بأي شكل، رغم تكرار المحاولات. كان يخرج رأسه بين فترة وأخرى يسب ويشتم لمدة دقيقتين، يرتاح بعدها، يشرب سيجارة. ثم ينحني على المحرك من جديد يحادث سائق السيارة.

- يا أخي ما دام الرجل أتى إلى هنا لشراء هذه التحفة. لو كنتم (أرخصتموها) عليه وتخلصتم من هذه البلية. أنتم تتخلصون، ونحن أيضاً، والوطن كذلك... من ناحية، لو أخذ هذه الخردة إلى هناك ووضعها في (شادر) وقطع بطاقات من أجل رؤيتها.. سيجمع من ورائها نقوداً كثيرة... انحنى مرة أخرى على المحرك وبعد فترة من (خربطته) قال:
- كيف لي أن أكشف العطل وليس في هذه السيارة شيء سليم؟
رفس السيارة. تألمت قدمه. ذهب إلى الدكان وهو يعرج. جلس القرفصاء أسفل الدرج. كيفما كان، أنا ميت ولا يستطيعون إنقاذي... يا ليتهم استطاعوا إنقاذ الجريح الذي بجانبي. قذف معاون سيارة الإسعاف بصقة على الجريح الذي في العربة وقال:
- في حياتي لم أرَ أنحس من هذا الرجل.
غضب السائق وبدأ يحادث نفسه:
- يمشون في الطريق ولا ينظرون أمامهم فيُدهِسُّون أنفسهم ويبلوننا.
انضم المصلح إلى الحديث من مكانه:
- ماذا يستفيدون من النظر أمامهم.. إذا لم يُدهسوا بالسيارات التي تأتي من أمامهم. فيدهسون بالتي تأتي من خلفهم.
- استغفرك يا رب.. لا تدخل في شؤونه تعالى.. سبحانك يا الله، فعلت حسناً أنك خلقت للإنسان عينين اثنتين.. لكن بدلاً من أن تجعلهما بجانب بعضهما، لو وضعتهما واحدة في الخلف وواحدة في الأمام.
قال المعاون:
- عندما خُلق الإنسان لم تكن هناك زحمة مواصلات مثل الآن.
قال السائق للمصلح متوسلاً:
- دخيلك يا معلم. دخيل عينيك... الجريح يموت داخل السيارة من النزف.. قد يطلع أحد أقربائه مسؤولاً فنبتلي.. دبرها، الله يخلي لك (هالعين)
وقف المصلح ودَسّ رأسه تحت غطاء المحرك. وخربط فيه لفترة .. نهايتها عرف أين عطب المحرك. عرف لكنه لم يجد القطعة المطلوبة.
قال:
- لا يوجد منها.
- دخيلك يا معلم.
قال المعاون:
- إذا كانت غير موجودة في أي مكان ، سأذهب وأسأل الصيدلية.
قال السائق بلهجة تأنيب:
- هو دواء ولاه..
قال المعاون:
- أين الدواء من الصيدليات يا معلمي.. حتى الاسبرين لا تجده في الصيدليات. ما عدا الدواء كل شيء موجود.. ممكن أن نجد القطعة التي نبحث عنها.
- لقد جرّبت كل القطع التي عندي ليس بينها ما يَصْلح. منذ فترة، وقعت تحت يدي خردة محرك طائرة نفاثة لأبحث بينها لعلي أجد ما يركب مكان القطعة.
قال السائق:
- إذا كان أجل هذا الجريح لم يأتِ بعد ستركب إن شاء الله.
أدخل المصلح يده بين القطع الصدئة وهو يقول "بسم الله" ثم أخرج واحدة، نفض عنها الغبار، وضعها على طاولة العمل، بردها بالمبرد الخشن ثم الناعم، (جلخها)، عمل لها عملة. أدخلها في مكان من محرك السيارة. ثم وقف مقابل السيارة وصرخ فرحاً:
- إيه، ما شاء الله، كأنها تفصيل ياه..
جلس السائق في مكانه من السيارة قال المصلح:
- النقود.
رد السائق:
- تعال إلى المشفى، اقبض نقودك.
- هذا يعني، احترقنا.
- لا تشغل بالك، تتأخر قليلاً. ولكن من المؤكد أنك ستأخذها.. ارفع مقدار الفاتورة وقابلنا بعد أن تقبضها.
- فهمت لماذا كان السائق لا يريد أن يتخلص من الإسعاف. لو كانت جديدة ، لما احتاجت للتصليح بهذا القدر. وبالتالي تقطع رزقه. هذا ما فهمته من قول المعاون للسائق:
- ما يدفع لتصليح هذه الخردة لمدة ستة شهور يكفي لشراء سيارة إسعاف جديدة.
- يبدو أن السائق فهم أكثر مما تعنيه حرفية هذا الكلام.
- لا تطولها، سأنظر في أمرك.
- قال السائق:
- يا الله.
صاح المصلح من خلف السيارة.
- انتبه! لا تسرع. إنها قطعة نفاثة، الله يحميها. من الممكن بأن تفاجأ أن خردتك هذه تطير.
بتدوير مفتاح التماس، وضغط السائق على (المَرْشْ) اهتزت العربة، زعقت، رفعت أنفها في الهواء، سارت وهي ترتجف.
صرخ المعاون:
- نطير أم ماذا! دخيلكم!
قال السائق:
- حتى الآن، ولكن من الممكن أن نطير.
حدثت هزة قوية.
- هل هذا جيب هوائي.
- لا تمد ذراعك من النافذة ولاه.
- لماذا؟
- حتى الآن يسأل . سيصبح ذراعك جناح وتطير السيارة.
عُدنا ندور في أزقة المدينة المتعرجة الضيقة. قال السائق:
- (يقطعها من هالعادة) السافلة، لا تمشي، لا تمشي، بعدها إذا مشت لا تعرف التوقف... آخ.
- دخيلك ما الذي حدث؟
- هزة قوية أسقطت كل قطع المحرك.
- لا تقلها يا معلمي.
- لم يبق في السيارة ما يدعى محرك.
- كيف تسير؟
- ألم ننطلق بسرعة، إنها تسير الآن بقوة ذاك الانطلاق...
- إلى أين ذاهبون؟
- غير معروف، قاع جهنم مثلاً.
- ماذا سيحدث.
- من أين لي أن أعرف.
- دخيل الحمار.. وهل يوجد مثل الحمار.. لو حملته زيت نفط لما طار هكذا. يستعملون الحمار، عندما يذهبون لنزهة يصطحبونه معهم. من ناحية العناد فهو عنيد، ولكن مهما فعل، في النهاية يعود إلى اسطبله لا يمكن أن يفعل مثل هذا. لا تدري إلى أين ذاهبة. إذا ركبت الحمار وسرحت به فما عليك إلا أن تتركه يفلت نحو الاسطبل فيعود لوحده. عندما تصل إلى الباب "تك" يقف. لا يفعل مثل هذه ، تذهب وتجيء من أمام باب المشفى دون اكتراث. لا يمكن أن تكون أرواح المواطنين مؤمَّنَة إلا إذا صنعوا سيارة إسعاف تدخل (الكراج) من نفسها.
قال السائق:
- ليس هذا وقت للهبل، انكب كل البنزين، ورغم هذا تطير . لو نصدمها في مكان ما ونوقفها ليس من طريقة أخرى لتوقيفها ، زَوَدتّها.
قال المعاون متوسلاً:
- دخيلك! إذا كنا سنصدم فاختر لنا مكاناًَ جميلاً، مرتفعاً ويكشف البحر.
- ما قولك في شجرة؟
- لا بأس ولكني منحوس ، الآن نصطدم في شجرة ايلنطس*. أو أجاص بري فيصبح موتنا فاجعة فوق فاجعة. إذا كان لا بد للإنسان إلا أن يصطدم بشجرة فلتكن مزهرة.
- تفوه. كنا سنصطدم بالجدار.
- الجدار مكتوب عليه: "مكان خاص لتبول الحمير"... انتبه لا تصطدك فيه فتنعفس السيارة وتغدو رقيقة وتلصق بالجدار فيظنها المارة إعلان جداري لمعمل السيارات.
بينما كانوا يبحثون عن مكان جميل وليّن مناسب لصدم السيارة وقعت هزة كبيرة أخرى أخذنا بعضنا إثرها – أنا والجريح – بالأحضان. قال الجريح:
- عفواً
الرجل لا يتنازل عن تربيته حتى وهو في طريقه للموت. كوني ميت لم أخرج صوتي قال السائق:
- الحمد لله أننا اصطدمنا ووقفت السيارة ومرت على خير

ذبابة الحمار الحبيبة، هل يموت الإنسان لو كان يعلم أن كل هذا سيقع له. جمل لو كانت انتهت عند هذا. لم يكفِ ما كنت أعانيه في حياتي، هناك ما ينتظرني بعد مماتي.
في رسالتي القادمة سأحكي لك ما وقع لي بعد ذلك.
مع تمنياتي بالنجاح والسعادة يا عزيزتي ذبابة الحمار.


مع محبتي وأشواقي
حمار ميت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمودي 1960
عضو جديد
عضو جديد


ذكر
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 24/05/2009
العمل/الترفيه : فــنـــــــا ن
عدد الرسائل : 48
نقاط نشاطه : 27580
صوت له : 4
sms : الفن هو الحياة

مُساهمةموضوع: رد: قصص لعزيز نسين   الإثنين 01 يونيو 2009, 9:22 am

الف شكر وصحة ليك

بصدق انتي قارئة من الطراز الرفيع

هذا الرجل يعجبني هلبة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصص لعزيز نسين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ا لــفــنـــــــو ن ا لـمــــــــــر ئــيـــــــــــــــــــــــة :: رواق المشهد الادبي المنقول :: القصص القصيرة-
انتقل الى: